ابراهيم بن عمر البقاعي
142
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود وغيرها ، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك ، أكدوا قولهم : إِنَّا سَمِعْنا أي بيننا وبين القارئ واسطة ، وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه ، مغن عن جميع الكتب غير هذا ، وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما سمعوا : كِتاباً أي ذكرا جامعا ، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل أُنْزِلَ أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره ، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز ، وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار ، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل العظمة ، فقالوا مثبتين للجار : مِنْ بَعْدِ مُوسى عليه الصلاة والسّلام ، فلم يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله ، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع ، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف والمواعظ مع ما زاد به من الإعجاز وغيره . ولما أخبروا بأنه منزل ، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله ؛ ثم بينوا تصديقه بقولهم : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به ، الكامل في جميع ذلك وَإِلى طَرِيقٍ موصل إلى المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله مُسْتَقِيمٍ * فهو يوصل بغاية ما يمكن من السرعة ، لا يمكن أن يكون فيه عوج ، فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقا يكون وترا لما تقوس منه . ولما أخبروهم بالكتاب وبينوا أنه من عند اللّه وأنه أقرب موصل إليه ، فكان قومهم جديرين بأن يقولوا : فما الذي ينبغي أن نفعل ؟ أجابوهم بقوله : يا قَوْمَنا الذين لهم قوة العلم والعمل أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ أي الملك الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال ، فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق ، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره . ولما كان المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا : وَآمِنُوا بِهِ أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر ، فإن المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو اللّه الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب ، أو الضمير للمضاف إليه وهو اللّه بدليل قولهم : يَغْفِرْ لَكُمْ : فإنه يستر ويسامح مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي الشرك وما شابهه مما هو حق للّه